المقريزي
43
إمتاع الأسماع
يشير صلى الله عليه وسلم ، إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الموضوع ، وقوة الدلالة ، وهي كونها نفس الوحي ، كان المصدق لها أكثر لوضوحها ، فكثر المصدق المؤمن ، وهم التابع والأمة . والله تبارك وتعالى أعلم . ويدلك هذا ، على أن القرآن من بين الكتب [ الإلهية ] ، إنما تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلى كما هو ، بكلماته وتراكيبه ، بخلاف التوراة والإنجيل ، وغيرهما من الكتب الإلهية ، فإن الأنبياء عليهم السلام يتلقونها في حال الوحي ، معاني يعبرون عنها بعد رجوعهم إلى الحالة البشرية ، بكلامهم المعتاد لهم ، ولذلك لم يكن فيها إعجاز ، واختص الاعجاز بالقرآن الكريم . وكان تلقي الأنبياء لكتبهم ، مثل ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى المعاني التي يسندها إذا حدث بها إلى الله تعالى ، ويشهد لتلقيه صلى الله عليه وسلم القرآن متلوا قوله تعالى : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) ( 1 ) ، أي محمد لا تحرك بالقرآن لسانك عجلان ، خائفا أن يفوتك ، ويزول حفظه عن قلبك ، إن علينا أن نجمعه في نفسك ، حتى تقرأه بلسانك ، فإذا أنزلناه عليك فاستمع قراءته ثم علينا أن نحفظه ، ونبينه بلسانك . خرج البخاري ومسلم من حديث أبي عوانة ، موسى بن أبي عائشة ، عن سعيد بن الجبير ، عن ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى [ عنهما ] في قوله عز وجل : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ) ، قال : [ كان ] رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة ، كان يحرك شفتيه ، فأنزل الله عز وجل : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه ) ، قال : جمعه في صدرك ، ثم تقرأه ، فإذا قرأناه فاتبع قراءته ، قال : فاستمع ، وأنصت ، ثم إن علينا أن تقرأه ، قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل استمع ، فإذا انطلق جبريل ، قرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قرأه . ذكره مسلم ( 2 ) في كتاب الصلاة ،
--> ( 1 ) القيامة : 16 - 18 . ( 2 ) ( فتح الباري ) ، : 13 / 611 ، كتاب التوحيد ، باب رقم 43 [ بدون ترجمة ] ، حديث رقم ( 7524 ) ، وزاد عليه بعد قوله : يحرك به شفتيه فقال ابن عباس : أحركهما لك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما ؟ فقال سعيد : أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما فحرك شفتيه .